السبت، 23 يونيو 2018 04:15 م
قناة اليوم السابع المصورة

فيديو.. زوجة العقيد أحمد الدرديرى: عرفت خبر استشهاده من فيس بوك وكانت وصيته إن ابنه عمر يحفظ القرآن

كتبت – منال العيسوى| 6/13/2018 12:07:41 AM

الشهيد حى يرزق عند ربه، وفى قلب المقربين منه، وحين يغيب الجسد تبقى السيرة العطرة بكل تفاصيلها، ورغم مرور الأعوام تبقى الغصة فى القلب والوجع كلما مرت مشاهد الذاكرة، ويبقى السلوان فى عظمة الشهادة والمنزلة الرفيعة عند الله .

 

 بعد ثلاثة سنوات من استشهاد العقيد أ ح / أحمد عبد الحميد الدرديرى أحد أبطال القوات المسلحة الذى قدم نموذجاً رائعاً فى التضحية والإيثار، واستشهد فى الهجوم الإرهابى المسلح على أحد كمائن سيناء بالشيخ زويد وضحى بنفسه من أجل أن يعيش زملاؤه وجنوده، ليلة تهديدات داعش بإعلان ولايتها على سيناء، اليوم السابع قضى يوما مع أسرته بمنزله بمدينة المستقبل فى وجود العقيد تامر المحمدى والمقدم باهر النادي، صديقا الشهيد وأسرتهما وصوره التى ملأت كل ركن من منزله.

داخل العقار 573 وبالتحديد فى الشقة 23 هنا كان ينتظر أن ينعم الشهيد بحياته مع أسرته الصغيرة ويفرح بالشقة التى حصل عليها أثناء خدمته وكان من المفترض أن ينتقل إليها عقب عودته من مهمته فى الشيخ زويد بسيناء، لكنه لم يعد وذهب لدار الحق وسكن الجنة.

فى البداية سيلفت نظرك كم الصور والشهادات التذكارية والأوسمة التى زينت كل أركان الشقة فكل منها يحمل ذكرى تصبر قلب زوجته حين تراها، وتمنح ابنه الكثير من الأمل والطموح والتفوق.

فى غرفة نومه تجد صورته على إحدى الوسادات بجوارها آخر قميص ارتداها مازال يحمل رائحة جسده العطره، ودولاب به ملابسه كاملة باستثناء ما أخذه منها ابنه عمر ذو الإثنى عشر عاما، فرغم جسده النحيل يصر على ارتداء بعض من ملابس أبيه، ويختار لنفسه ذات التصميمات التى كان يحبها والده، فكما تقول أمثالنا" اللى خلف مايموتش".

قبلت زوجته هذا القميص الكاروهات الذى يحمل رائحه حبيبها وزوجها أحمد الدرديرى، وتركته فى موقعه بجوار الوسادة التى طبعت عليها صورته ليؤنس وحدة أيامها ولياليها، فمازال رنين ضحكاته يدوى فى المنزل.

جلست ياسمين زوجه الشهيد على نفس المقعد الهزاز المفضل عند احمد بجوار مكتبة الأوسمة ولافتات مكتبه العسكرى تروى كثيرا من التفاصيل المريرة ليلية  تلقيها خبر استشهاده وسنوات ثلاث عصيبة قضتها وحيدة بعد وفاته.

 وتقول : "أحمد ما يتوصفش وحين أتحدث عنه  لا أعرف ماذا أقول" بهذه العبارة بدأت ياسمين تحكى كيف تلقت خبر استشهاده قائلة: "كانت آخر أجازة لأحمد فى رمضان ، وكانوا أطول أسبوعين، وكانت أحلى أجازة، فكان أحمد يصر على اصطحابنا معه أنا وعمر فى كل مكان، وفى كافة تحركاته، فأى مكان ينفع يأخدنا معه، حتى وهو ذاهب لتصليح السيارة، وكان يقول لنا يمكن تكون آخر اجازة لي، فرديت عليه قائلة دانت فى الإسماعيلية مش فى سيناء، لأنه لم يخبرنى انه فى سيناء، وأخذنا الموضوع بتهريج".

وتكمل ياسمين وبدأت عيناها تترقرق فيها الدموع قائله:" أحمد وقتها قال أنا عندى إحساس إنها ستكون آخر أجازة لى معكم، وأخذت حديثه بهزار، وقلت له أستنى طيب لما ننقل هتسبنى انقل لوحدى، فضحك وقالى صحيح لو جرالى حاجة خدى بالك من عمر ومتبكيش وخلى عمر يختم القرآن".

وبصوت خافت استكملت ياسمين حديثها لليوم السابع" كنت دائما  اشعر وأحس بيه جدا، حين يحدث له أى شئ ، لكن أخر شهرين كانت مشاعرى غريبة، مكنتش حاسة بحاجة لا حلوة ولا وحشة، لكن قلبى كان حزين رغم أنه كان مفروض اننا قضينا اجازة سعيدة وسننتقل لشقتنا الجديدة".

وتروى زوجه الشهيد كيف علمت خبر استشهاده قائلة: "من فيس بوك، كنت عند والدتى فى رمضان، واتصلت بى إحدى زوجات صديق له، وكانت تحدثنى وهى مخضوضة ولما سألتنى عاملة ايه قلتلها الحمد لله، وعندما شعرت أننى لا أعرف لم تقل لى، وفى هذا التوقيت كنت منزلة تطبيق على الموبايل بيبعتلى الأخبار الحديثة".

وتتابع: "وجدت أخبارا عن ضرب فى سيناء، فشعرت بخضه وأن أحمد هيتخض على عساكره، لأنه كان دائما يقول عساكرى دول أغلى من عمر ابنى لانهم أمانه عايزها ترجع لأهلها بسلام، فقلت أطمن عليه لانه أكيد منهار، وكنت مستبعدة تماما أن يكون أحمد من بينهم، لانه كان مفهمنى انه بيدرب فى الإسماعيلية وانه مش ليس فى سيناء، وبعد قراءة التعليقات وجدت زوجات زمايله يقولون الدرديرى استشهد، فسألتهم على الفيس مين الدرديرى، فلا يوجد درديرى غير واحد هو أحمد جوزى، فوجدتهم جميعا صمتوا ولم يردوا فكررت سؤالى عليهم انا مرات أحمد الدرديرى وحين صمتوا قلبى اتقبض، اتصلت على أحمد كتير لم يرد، فاتصلت بهشام أحد أصدقائه فرد على وهو يبكى، فادركت ان أحمد مات، قفلت وانا مش مصدقة وكنت حاسة انى بحلم، ولم أبك لأنها كانت وصية أحمد أن لو حصله حاجة مبكيش وانى اخد بالى من عمر واخليه يختم القرن، وهو الآن حفظ الجزء السابع ".

وتقول بأسى: "خلال الثلاث سنوات التى مضت لم يستطع أى شىء أن ينسينى أحمد أو يعوضنى عنه، فكل لحظة مرت عليه فى غيابه كنت احتاجه فيها، وأكتر شىء يؤلمنى، حينما نكون فى المحكمة الحسبية، فكل شىء يفكرنى انه ليس موجود، ورغم أن عمر فيه شبه كتير منه، لكن أنا كنت عايزاهم الاثنين جنبى".

وتؤكد ياسمين أن أحمد مازال يعيش بينهم تراه هى وطفلها فى حلمهما، وتكره كلمة المرحوم لأنه وزملاؤه الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وانا أتقاضى راتبه الشهرى، ولا اسميه معاش، لكن ما يزيد وجعى انا وبعض زوجات الشهداء هو كتابة أرمله فى البطاقة وحذف اسم الزوج منها فلماذا لا يتم كتابة زوجة الشهيد أحمد الدرديرى، فهذه الكلمة تعنى أيضا أننى أرمله لبطل ضحى بعمره لبلده، مش كتير علينا تشيك بوكس فى خانة البطاقة".

كما طالبت زوجه الشهيد بعودة العمرة أو الحج بصحبة آمنة، حيث أنها كانت موجودة قبل ذلك منذ عام 2012 ، وأن أغلب الزوجات صغار فى السن لا يستطيعن السفر لأداء عمرة مع صحبة آمنه، لأن العمرة تخفف عن الزوجات، وأنا اعتمرت بصحبة والدى وعمر، حين اختليت بنفسى عند الحرم بينى وبين ربى دعوت يا رب أحمد وعمر يارب احفظهم لى".

أما عمر ابن الشهيد أحمد الدرديري، الطفل الذى لم يتجاوز 12 عاما، طالب بالصف الأول الإعدادى، منحه الله ملامح أبيه، نعمه من عند الله يخفف عن أمه رحيل سنده وسندها، جلس فى مقابل صور أبيه، يروى كيف يزوره فى الاحلام وحين يطلب منه شيئا يجده فى الصباح أما أن تأتى به له أمه أو أحد أصدقاء والده قائلا، "بابا بيبعتهالى معاهم ".

بشجاعة المقاتل ورقى المتربى، جلس عمر الصغير بابتسامته المتفائلة، يحكى كيف يحلم أن يصبح عالم فضاء يكتشف العالم الخفى فى السماء، ربما من كثرة ما سمع أن والده فى السماء، زادت رغبته فى اكتشاف ما ورائها طمعا فى أن يلتقى والده، مؤكدا أن نفسه يصبح عالم فضاء فى الجيش ليعرف أين يخبأ الأشرار القنابل التى تقتل الضباط ".

يروى عمر أنه حين استشهد والده كان أصغر بثلاث سنوات من الأن وكل ما يذكره ، أنه كان يلعب ويذهب الملاهى بصحبة ابيه وامه، وكان ابيه يأخذه فى كل مكان، قائلا وقتها اتعاملت مع الموقف وضحكت، ويوم ما حجيت أنا وماما كان لازم ادعى لربنا أن يغفر لى ولأمى وأبى وأن يجمعنا مع بابا فى الجنة فهو وحشنى جدا".

أما العقيد تامر المحمدى والمقدم باهر النادي، فهما صديقا الشهيد المقربين، واللذان لم يتركا زوجته وصغيرها بمفرده وظلوا معها دوما، برفقة زوجتهما وأطفالهما، قائلين، هذا أقل شىء ممكن أن نقدمه لأحمد فلو كان أحد منا هو من استشهد كان احمد هيعمل أكثر من كدة بكتير".

يقول العقيد تامر المحمدي، أنا الدفعة التى سبقت أحمد وعاشرته لمدة عام كامل، فاحمد صعيدى المنشئ والأخلاق، بما تحمله الكلمة من معانى، وصاحب صاحبه، وكان معلم فى ناس كثيرة بأخلاقه وصفاته، وحين استشهد تم عمل عزائين له واحد فى بلدته أسيوط والأخرى فى العاشر، ولعل منزلة الشهداء كان يستحقها بقوه، فهى منزلة لا يرتقى إليها أى أحد وهذا ما يصبرنا، واحنا مقصرين مع أسرته ونتمنى أن نكون بالقرب منهم يوميا، لكن ما يمنعنا عنهم الواجب والعمل، واعتقد أنه لو واحد فينا كان حدث له أى شىء كان أحمد هيعمل زينا واكتر.

ويؤكد العقيد تامر أن خلق الدرديرى وتدينه وبره لوالديه وسلوكه الطيب وسط زملائه وجنوده صفات رائعة تحلى بها الشهيد الراحل إلى جانب حبه الشديد لوطنه وبلاده فكانت البطولات العسكرية لأبطال وقادة حرب أكتوبر العظماء قد شكلت فى وجدانه بشغف قوى وحب للحياة العسكرية وهذا ما دفعه للإلتحاق بالكلية الحربية حيث كان يعتبر قادة الحرب قدوته ومثله الأعلى فى التضحية والفداء".

ويروى العقيد تامر المحمدى والمقدم باهر النادي، قصة وفاة الشهيد أحمد الدرديرى وحياته فى سطور قليلة مؤكدين أنه إلتحق بالكلية الحربية وتخرج منها على سلاح المشاة ليبدأ خدمته بالجيش الثانى الميدانى ثم سافر إلى السودان ليشارك فى قوات حفظ السلام هناك وذلك عقب زواجه بـ3 شهور ثم عاد بعد ولادة نجله الوحيد عمر بـ 3 شهور ثم أكمل خدمته فى الجيش الثانى الميدانى ثم الجيش الثالث الميدانى .

ويقول العقيد تامر أن الدرديرى خدم فى الكلية الحربية وعقب خدمته بالكلية التحق بكلية القادة والأركان حيث حصل على ماجستير العلوم العسكرية ليعود مرة أخرى إلى صفوف الجيش الثانى الميدانى وخلال هذه الفترة كان قد قدم عدة طلبات أفصح فيها عن رغبته الشديدة فى المشاركة بالعلميات العسكرية فى سيناء، وتمت الموافقة على طلبه بالفعل لينقل إلى الشيخ زويد حيث أوكل إليه مهمة الإشراف على تأمين سلسلة كمائن بالشيخ زويد والتى كان الهدف من إقامتها قطع الطريق عن الجماعات الإرهابية، بسبب تكرار الهجوم الإرهابى المسلح على بعض النقاط الأمنية .

 ويكمل المقدم باهر، حكاية الشهيد قائلا:" هذا العمل كان يتطلب من الشهيد المبيت يومياً فى أحد الكمائن ليمارس مهام عمله وسط زملائه من الجنود والضباط فى جو أسرى ويشاركهم إفطار رمضان، وفى يوم 7-1-2015 حدث هجوم إرهابى على 6 كمائن بالتزامن السادسة صباحاً، واقتحمت الكمين سيارة مفخخة وقامت قوات الكمين بتدميرها قبل وصولها إلى الكمين ثم بعد ذلك محاولة إقتحام أخرى للكمين بسيارات دفع رباعى تحوى كل سيارة على ما يقرب من 20 ل25  عنصر إرهابى، كانوا مسلحين بأسلحة متعددة قناصة واربى جيه، فقام الشهيد أحمد الدرديرى بتفجير سيارتين قبل وصولهما إلى الكمين حيث إستشهد أحد زملائه الضباط خلال عملية محاولة إقتحام الكمين.

ثم أعقب هذا الهجوم هجوم أخر عن طريق مسلحين على درجات نارية يحملون الرشاشات وعلى الفور تعاملت معهم كل قوات الكمين حيث صفوا منهم عددا كبيرا وهنا أصيب الشهيد فى قدمه اليمنى وواصل القتال حتى أصيبت قدمه الأخرى وخلال هذه المعركة الضارية أوشكت ذخيرة الكمين على النفاذ فأعطى الشهيد الدرديرى أوامره لجنوده أن يحتموا داخل مدرعاتهم ويذهبوا لكمين أخر لإمدادهم بالذخيرة حيث رفض الجنود أن يتركوه بمفرده إلا أنه أصر وطلب منهم أن يحتموا بالمدرعة من النيران الكثيفة الموجهة إليهم من قبل الجماعات الإرهابية حيث ظل الشهيد مع إثنين من جنوده يقومون بحماية ظهر بقية الجنود لحين عودتهم بالدعم والذخيرة وفى لحظة إخترقت رصاصة موجهة من أحد قناصة الجماعات الإرهابية إلى رقبة الشهيد فلفظ أنفاسه الأخيرة فى 14 رمضان حوالى الساعة العاشرة صباحاً .





لا توجد تعليقات على الخبر

اضف تعليق